عرس بلا عريس !

تم نشره السبت 07 أيلول / سبتمبر 2019 12:28 صباحاً
عرس بلا عريس !
رشاد ابو داود

ارتدت فستان العرس الابيض. أقيم لها حفل زفاف بكامل أغانيه الفلاحية. طبل و زمر و زغاريد. انتهى الحفل، وذهب المعازيم الى بيوتهم وبقيت هي وحيدة، فالعريس أسير لدى الاحتلال، ومحكوم عليه ثماني عشرة سنة، لكنها أصرت على الزواج منه لتقول له و للاسرى : لستم وحدكم، نحن معكم حتى تتحرروا و نتحرر، وللاحتلال : خسئتم.
تم الزفاف الاسبوع الماضي في مخيم الجلزون القريب من رام الله الذي يقطنه لاجئون شردهم الصهاينة من بلادهم في نكبة 1948 ليقيموا عليها ما عرف باسم «اسرائيل». انه نوع جديد من المقاومة يبتكره الفسلطينيون المتشبثون بالأرض، ليس صاروخاً أو دبابة بل ارادة، قالت شقيقتها : «لقد اخترعت نوع شجاعة وتشجيعا جديدا للمناضلين اولاد فلسطين عشان تقول للاسرى بنات فلسطين شريكاتكم في المقاومة، وتكون جنبهم وتقلهم مع بعض بنعطي الاحتلال درسا جديدا مش رح يقدروا علينا الاسرى مش لحالهم، واحنا بنات فلسطين معهم وجنبهم كمان شريكات في النضال «.
ذكرتني ابنة مخيم الجلزون بحكاية « العروس جميلة لكنها متزوجة «، ففي بدايات المؤامرة على فلسطين كانت الساحة البريطانية مسرحا للتحركات والترتيبات والاتصالات ومحور الرسائل حول المشكلة الملحة على كل الأطراف، وهي مشكلة فتح أبواب فلسطين أمام الهجرة اليهودية. وفي السياق نفسه كتب «إدوارد لودفينج ميد فورد « ـ دبلوماسي بريطاني ـ ما أسماه « نداء بالنيابة عن اليهود لإنشاء كومنولث بريطاني في الشام « فقال : « إن فلسطين إذا ما أخذنا في الاعتبار مساحتها، تبدو صغيرة ولا تتسع لكل اليهود، وقد تنشأ مشاكل بسبب هجرة مستوطنين كثيرين، لذلك يستحسن قبل القيام بتوسيع نطاق الاستيطان في فلسطين، أن يتم إعداد البلاد كلها لاستقبال شعبها الجديد، ويمكن إقناع الحكومة العثمانية بتهجير كل السكان « المحمديين « وتوطينهم في المناطق الشاسعة الخالية من شمال العراق، حيث يستطيعون امتلاك أرض أفضل من تلك الأرض التي سوف يتركونها وراءهم «. الطرح نفسه تتضمنه اليوم «صفقة القرن» بعرض «فلسطين الجديدة» في غزة وسيناء بدل فلسطين التاريخية – من نهر الأردن الى البحر البيض المتوسط -.
كلمات « إدوارد لودفينج ميدفورد » التي تشكك في إمكانية تحقيق مشروع الدولة اليهودية في فلسطسن، جاءت متوافقة تماما مع رؤية سابقة، وقبل المؤتمر الصهيوني في بازل، حين أراد«ماكس نوردو » وهو من أقرب أصدقاء ثيودور هيرتزل، أن يقنع بعض الحاخامات الأوروبيين المترددين، واقترح أن يبعث باثنين منهم إلى فلسطين، يريان رأي العين، ثم يعودان ليقدما تقريرهما عن حقائق الأوضاع هناك، وأثناء تواجدهما في فلسطين بادرا فورا بإرسال برقية إلى «نوردو » يقولان فيها بالرمز : « إن العروس جميلة جدا، وهي مستوفية لجميع الشروط، لكنها متزوجة فعلا »،كناية عن ان فلسطين ليست بلا شعب كما كان الصهاينة يروجون.
يقول التاريخ أن أرض كنعان؛ عبارة عن مصطلح قديم يشير حالياً إلى فلسطين ولبنان والأردن وسوريا، وأرض كنعان هو اسم فلسطين قبل مجيء العبرانيين إليها عام 1790 قبل الميلاد، ويأتي اسم كنعان من كلمة « كيناهو»بمعنى منطقة إتقان السكان تقنية الصبغ باللون الأرجواني.و يعود تاريخ الاستيطان البشري في أرض كنعان إلى العصر الحجري القديم؛ حيث كشفت العديد من الحفريّات وجود آثار للتجمّعات السكنية، ولطريقة الحياة الزراعية التي كانت في أريحا والتي تعود إلى حوالي 8000 سنة قبل الميلاد. وقد شهد العصر الحجري الحديث في الفترة ما بين 4000 إلى 7000 سنة قبل الميلاد انتشاراً واسعاً للكنعانيين في القرى والمدن، وتميزت الفترة التالية الواقعة ما بين 3000 إلى 4000 سنة قبل الميلاد باستخدام الكنعانيين النحاس والفخار والخزف، وعيشهم في المنازل المصنوعة من الحجارة غير المصقولة والجدران الطينية.و ظهرت الشعوب السامية للمرة الأولى في أرض كنعان في العصر البرونزي المبكر أي في الفترة ما بين 2000 إلى 3000 سنة قبل الميلاد. أصبح العموريون الساميون الذين قدموا إلى أرض كنعان من الشمال الشرقي العنصر المُهيمن فيها في العصر البرونزي الأوسط (1550 إلى 2000 ق.م). و كانت أرض كنعان تحت الهيمنة المصرية في العصر البرونزي المتأخر، وفي حوالي 1250 قبل الميلاد دخل الإسرائيليون إليها واحتلوها، حيث اقاموا ممالك لهم ما لبثت أن آلت كلها الى زوال.
بعد مائة سنة من «العروس الجميلة المتزوجة» ها هي فلسطين تتزوج وعريسها في الأسر، تنجب وهي تدرك أن أبناءها سيكون احدهم شهيدا والآخر أسيرا و..العاشر معتقلا. هذه هي مشكلة الصهاينة مع الفلسطينيين، يشردونهم فتنمو لهم شروش.. يهدمون بيوتهم فيقيمون خيمة عودة.. يحاصرونهم فيحاصرون حصارهم.. يقتلونهم..فلا يموتون.

الدستور - 

الجمعة 6 أيلول / سبتمبر 2019.